كى يعرف العالم العربى مشجعى الجزائر فى مبارتى مصر والسودان وباقلام الجزائريين انفسهم
"شباب الحيطيست" لغتهم النار وحزبهم الجدران!!
الجزائر - فتيحة بوروينة
"الحيطيست" في الجزائر، هي فئة من الشباب، لها طقوسها وقاموسها وسطوتها خلال كل موعد استحقاقي تدخله الجزائر منذ طلّقت الأحادية والاشتراكية وعهد الثورات الزراعية والثقافية، واتخذت لنفسها زوجا آخر اسمه الديمقراطية والتعددية.
"الحيطيست" والإسم مأخوذ من (الحيط) وهو مفرد حيطان أو جدران، هم أغلبية أولئك الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 17إلى 35سنة، ممن تشملهم نسبة ال 13% الرسمية و17% غير الرسمية من "الشومارة" أي البطالين الذين باتوا يسندون باحتراف قل نظيره، جدران وأسوار "الحومات" أي الأحياء الشعبية الغارقة في تفاصيل التعاسة اليومية. ولا تعني "الحيطيست" الشباب الذين لا يريدون العمل، بل هم الشباب الذين لا يجدون عملا، وهنا كل الفرق، ممن لفظتهم المدارس قبل الأوان، وضاقت أمامهم أبواب التوظيف المفتوحة بل المشرّعة في وجه أصحاب "الأكتاف العريضة".
سيف الدين، أو "سيفو" مثلما يناديه أنداده من شباب حي "وادي قريش" المجاور لحي "باب الوادي" بقلب العاصمة الجزائر، وكلا الحيين شعبيين، كثافة سكانهما قد تعادل كثافة سكان بعض بلدان دول الخليج العربي، هو واحد من فئة "الحيطيست" الذي يتحول عشية كل موعد استحقاقي تطبّل له الأحزاب، وتزمّر له قواعدها النضالية، إلى معارض "غير مهيكل" لا في حزب سياسي ولا في جمعية خيرية ولا في منظمة شبانية، لكنه - ومثله يفعل كل "الحيطيست" - يمارس المعارضة فوق جدران حومته، أدواته في ذلك، شعارات ونكت ومقاطع شعرية شعبية، لا تقلب النظام ولا تشوش على العملية الانتخابية، ولا تكترث لها الخطابات الرنانة المنمّقة لزعامات الأحزاب، ولا تبحث لنفسها عن منابر أو أضواء، هي فقط ما يمكن عده ترويحا عن النفس، ومشاركة من نوع آخر في الحدث الوطني الذي تنام وتستيقظ عليه ميكروفونات الإذاعة، وكاميرات التلفزيون، وصدر أولى صفحات الجرائد.
لا يملك "سيفو" سوى الكلام الذي ينطلق من فيه (فمه) مثل البارود من فوهة المدفع، أو الرصاصة من جحر المسدس، لكنها طلقات لا تؤذ أحدا، ولا تسيل دم أحد، ولا تزايد على أحد، طلقات "مسالمة" سرعان ما تنتهي في وجه نفس الحيط أو الجدار الذي يسنده "سيفو" طوال اليوم، فترتطم فوقه في شكل كتابات حائطية تزينها ألوان، هي عادة ألوان فرق كرة القدم التي يناصره كل حيطسيت، كتابات أثارت اهتمام الباحثين، وشكلت مادة هامة لرسائل تخرج الطلبة من الجامعات بشهادات الليسانس أو الماجستير منذ فترة ليست بالقصيرة، منذ خرج الشباب إلى الشارع ذات 5أكتوبر من العام 1988، وهو التاريخ الذي مهّد للتعددية السياسية والإعلامية في الجزائر، ورسّم الطلاق البائن مع عهد الأحادية انطلاقا من العام 1989، إيذانا بعهد "المداحون الجدد" الذين لم ترق لغتهم إلى لغة "الحيطيست" وظلوا يرددون شعارات باستعمال نفس "لغة الخشب" التي اتهموا الحزب العتيد "جبهة التحرير" باستعمالها وحشوا الرؤوس بها، طيلة نصف قرن تقريبا من الزمن.
ليس "سيفو" يتيم الأبوين، أو لا مأوى له ولا معين، فهو أصغر سبعة إخوة يتحركون جميعا في بضعة أمتار مربعة من بيت صغير لا يتسع لأكثر من غرفة واحدة كبيرة، تم التحايل عليها بتقسيمها إلى غرفتين مستقلتين حتى لا يضطر أفراد العائلة من الذكور إلى التناوب على النوم، مثلما هو حاصل في كثير من البيوت الجزائرية التي تشتكي ضيق المسكن، تفاديا لحرج النوم مع شقيقاتهم في نفس الأمتار المربعة.
لم يكن حظ "سيفو" من التعليم والتحصيل أوفر من حظ إخوته الآخرين، فمنهم من رسب مرة وثاثية وثالثة إلى حين تم طرده، ومنهم من تمرد على مقاعد الدراسة فكان التسرب المدرسي مآله، ومنهم مثل "سيفو" اجتهد أملا في بلوغ العلى، لكن ظروف الحياة الاجتماعية التي عكر صفوها ضيق البيت الذي أفرز "ضيق الخاطر" ومعه هزالة الراتب الشهري لرب العائلة مقابل غلاء فاحش للقمة العيش التي تزاحمها فواتير الماء والغاز والكهرباء، عجّلت بإلحقائه بجحافل الشباب الذين أجبروا على ممارسة هواية إسناد الحيطان، قبل أن يمنحوا من على أحد مسارح باريس اسم "الحيطيست" التي أطلقها عليهم أول مرة الفنان الجزائري ذي الأصل الأماز